هل مهنة الخدمة الاجتماعية فعالة ؟

مابين فترة وأخرى أقرأ كتاب “قراءات في الخدمة الاجتماعية” وهو كتاب رائع جداً للدكتور عبدالعزيز البريثن يُخرجك من النمط المتكرر لكتب الخدمة الاجتماعية حيث أدرج الدكتور البريثن مجموعة من أوراق العمل والبحوث العلمية والتي ترجمها وجمعها لنا تحت غلاف واحد ليتعرف المتخصصين في الخدمة الاجتماعية على مهنتهم من منظور أمريكي، وأضاف إليها بعض الأبحاث العلمية التي قام بإعدادها.

سأتحدث اليوم عن المقال الخاص بالبروفيسور جويل فيشر حول :

تأملات في القضاء على الخدمة الاجتماعية

بداية انتقد البروفيسور مقاله العلمي الذي تسبب له بالكثير من الجدل والمعارضة وصلت إلى حد العداء العلمي ويمكنكم الإطلاع على هذه المقالة من خلال الضغط هنا، حيث قال : لا أعرف إلى أي مدى كنت بسيطاً حينما كتبت مقالتي القديمة “هل خدمة الفرد فعالة”، إذ لم تكن لدي فكرة عما كنت أفعله في ذلك الحين. حيث أوعز سبب كتابته لتلك المقالة إلى صغر سنه وحداثة تخرجه من درجة الدكتوراة ولكن كان لديه بعض المعرفة عن البحث العلمي وكان يعرف بأن تلك المقالة كانت للفت انتباه المتخصصين حول التحقيق في نتائج الأبحاث المعنية بممارسة الخدمة الاجتماعية ومدى فاعليتها.

ويقول البروفيسور جويل بأنه كان أخصائياً اجتماعياً اكلينيكياً متسماً بالخوف والتردد وفي السابعة والعشرون من عمره بدأ دراسة الدكتوراة في الخدمة الاجتماعية وقد تخرج بعدها بثلاث سنوات وكان حينها يتسم بالحذر المحفوف بالخوف ولم يكن واثقاً بأنه قد تعلم بما فيه الكفاية أو بالقدر الذي يطمح إليه ويعلق بأنه مازال يحمل تلك المشاعر لأنه يدرك بأنه لم يتعلم بالقدر المأمول.

ويضيف البروفيسور بأنه خلال الدراسة في السنة الثانية لم يدر في خلده أي شيء عن “فاعلية الممارسة” بل كان مشغولاً جداً بالإعداد للاختبار الشامل وكان يقرأ ساعات طوال في الخدمة الاجتماعية عموماً وفي التخصصات ذات العلاقة وعلى وجه الخصوص ( علم النفس الاكلينيكي و الإرشاد النفسي ) كما كان يستعرض الدراسات التطبيقية والتجريبية ويفحصها، وقد بدأ حينها بتفسيم الأبحاث إلى أبحاث مفيدة ومُساعِدة للعميل وأبحاث لا تساعد العملاء.

وفي عام 1973 اتفق البروفيسور مع أحد الناشرين بعد أن شعر بأن هناك شح كبير في الكتب فاتفق مع الناشر وقدم كتاباً حول اتجاهات العلاج في الخدمة الاجتماعية وبعد عام من البحث والتقصي أنجز البروفيسور الكتاب لكن هذا الكتاب دفعه أكثر إلى قضية التشكيك مرة أخرى.

وفي الإعداد لذلك المقال الغريب يقول البروفيسور بأنه استطاع الحصول على اثنتي عشر دراسة تجريبية تتعلق بالتدخل المهني في خدمة الفرد وبعد فحصها وجد أنها حقاً تستحق الدراسة والمراجعة وكانت النتيجة أنه لم يجد دراسة واحدة برهنت على أن التدخل المهني أو أي نمط من أنماط التدخل المهني في خدمة الفرد كان فعالاً، كما وجد أن 50% من الدراسات أشارت إلى أن العملاء الذين أجري لهم تدخل مهني ضمن المجموعات التجريبية في شكل علاج قدمه ممارسين مهنيون يحملون درجة الماجستير في الخدمة الاجتماعية قد ساءت حالتهم أو حدث لهم تغير أكثر بطئاً حسب مقياس أو أكثر مقارنة بالعملاء الذين لم يجر لهم تدخل مهني على الاطلاق أو مقارنة بالعملاء الذين تمت معالجتهم بواسطة أشخاص غير متخصصين، وقد سماه حينها “أثر التدهور” تمشياً مع ماهو مستخدم في أدبيات العلاج النفسي.

ويذكر البروفيسور حجم الكره والعداء الذي تعرض له بعد كتابة ذلك المقال وتحدث عن عدد هائل من الرسائل البريدية والتي تحمل الكثير من المشاعر السيئة تجاهه شخصياً بعد نشره للمقال، وكانت الصدمة الأكبر هي استغلال بعض المشرعين لتوظيف غير متخصصين في وظائف الأخصائيين الاجتماعيين. ويشير أيضاً إلى أن بعض المتخصصين والأكاديميين كانوا متفهمين ومتعاونين معه ولكن البعض كان ناقماً.

ويضيف بأنه أثناء مشاركته في إحدى المؤتمرات  والتي قدم فيها إحدى أوراقه بعنوان “ثورة الخدمة الاجتماعية عام 1981م” قامت إحدى الحاضرات بعد فراغه من إلقاء الورقة وأسهبت في الشجب عليه لمدة امتدت إلى ثلاثين دقيقة بسبب مقال ” هل خدمة الفرد فعالة؟”.

وقد قرر البروفيسور جويل الرد على كل معارضيه بشكل واسع من خلال إعداد مقال جديد وقدمه لمجلة الخدمة الاجتماعية وحينها قال له الناشر ( بأن المعارضين سيغتالونك ).

 ويضيف أنه بعد سنوات جمع بعض الأبحاث التجريبية وقد بلغ عددها 17 دراسة تجريبية تقيم فاعلية ممارسة الخدمة الاجتماعية وقرر أن يكون العمل القادم كتاباً وليس مقالاً وتم نشره في عام “1976م” وكان عنوانه ” فاعلية خدمة الفرد”، والمفاجأة بأن خلاصة تلك التجارب لم تكن بعيدة عن الدارسة الأولى وأن وضع الممارسة المهنية كما هو عليه إذ لايوجد أي علامة على الفاعلية بل يوجد علامات تدل على التدهور، ويضيف بأن الأسباب الرئيسية تكمن في أن الممارسة المهنية ضعيفة وغير واضحة المعالم، هذه إذا سلمنا بأنها تستحق أن تسمى تدخلاً مهنياً.

ويعلق البروفيسور بأن محاولته في ذلك المقال لم تكن سوى نداء موجه نحو المتخصصين ولم يكن جهده سوى الاهتمام بالممارسة وجعل حياة الممارسين المهنيين أفضل وبالطبع في نهاية المطاف تحسين حياة العملاء.

ويشير أيضاً إلى أنه عمل على تطوير الممارسة وإرشاد الممارسين وتحسين حياة العملاء وشارك مع نخبة من العلماء في التأليف والكتابة، إضافة إلى المشاركة في المؤتمرات العلمية وورش العمل وكانت جميعها تركز على الطرق الجديدة والأكثر جدوى في تقويم طرق التدخل المهني الخاصة بممارسة الخدمة الاجتماعية ويضيف بأن الحقيقة التي لابد أن يعترف بها أن كل تلك الجهود التي بذلها في البحث والكتابة والإلقاء كانت محاولات للبحث عن إجابات امبريقية للتساؤل السالب الذي طرحه في بداية حياته الأكاديمية:

هل ممارسة خدمة الفرد فعالة؟

وأخيراً يعتقد البروفيسور بأن حالة الممارسة المهنية للخدمة الاجتماعية اليوم أفضل منه منذ ثلاثين عاماً ( بحسب وقت كتابته للمقال ) ففي السابق كنا نستطيع تحديد المشكلات ولكن لم نستطع الاكتشاف ولم يكن العمل مؤسسياً بطريقة مهنية محترفة واليوم لدى الممارسين المهنيين فرصة لتعلم الممارسة المبنية على البراهين مع الكثير من التدخلات المهنية المبنية على البرهان الامبريقي وفي نظره يعتبر هذا تغير أساسي ونموذجي في حقل مهنة الخدمة الاجتماعية.

ويقول “بأنه اليوم وبعد ثلاثين عاماً من نشر المقال أقول واستناداً إلى ما حصدته من معرفة بأن الخدمة الاجتماعية لم تُدمر بسبب نشر ذلك المقال ولعل أفضل تذمر تلقيته من واحد من أكثر علماء الخدمة الاجتماعية غزارة في الانتاج وهو البرفيسور “بروس ثاير” الذي قال لي حديثاً بأنه حينما قرأ المقال “هل خدمة الفرد فعالة؟” بعد نشره عام 1973 شعر وكأنه وجد ضالته، فهل يمكن أن ينشد أي مؤلف أفضل من هذا التعبير؟

انتهى

تعليقي على المقال:

– قد تكون أنت أو أنا أو أي متخصص في الخدمة الاجتماعية مساهم وبشكل مباش وقوي في تغيير بعض القناعات الخاصة بمهنة الخدمة الاجتماعية.

– ما بين فينة وأخرى اسأل نفسي سؤالاً مقارباً جداً لسؤال البروفيسور جويل فيشر هل مهنة الخدمة الاجتماعية في مجتمعنا السعودي فعالة؟ وهل يؤدي الممارسين مهامهم وفق إطار علمي أم سيطر الاجتهاد والعشوائية على عملنا ؟

– مامدى التأثير الذي سببه دخول تخصصات أخرى في ممارسة مهنة الخدمة الاجتماعية ؟

– وهل مناهجنا الدراسية وطريقة تنفيذها ساهمت في خلق شخصية الاختصاصي الاجتماعي بشكل جيد ؟

– عندما أنتقد عملاً فلا يعني انتقادي له التقليل منه ولكن بكل تأكيد هو رغبة في رؤية أفضل للمهنة.

– يجب أن نبني انتقاداتنا للعمل على مبررات علمية توضح مكامن الخلل مع وضع الحلول المقترحة والتي يجب أن تكون قابلة للتطبيق.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s